أحمد بن يحيى العمري

235

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

والقول الآخر : أنه من الأولياء أصحاب الأحوال والكرامات ، وقد حكي لي من أحواله ما أذكره والسرائر عند الله تعالى . حدثني عمي الصاحب شرف الدين رحمه الله تعالى قال : سافرت وأنا صبي صغير إلى بلاد حوران ، فلما كنت بزرع دخلت الحمام ، فإذا أنا بالشيخ علي الحريري ؛ فقال لي بعض من كان معي : قبّل يد الشيخ ، فقمت إليه ، وقبّلت يده ، فرأيته جالسا على جانب الحوض يصب الماء على أصحابه ، فقال له بعض أصحابه ، يا سيدي ! هذا ابن فضل الله ، فقال : ونعم - والله - من ابن رجل جيد ، اقعد ! ، فقعدت ، فأمر شخصا من أصحابه ، فغسّلني ، والشيخ يصبّ عليّ بيده الماء ، إلى أن فرغت ، ثم أتاني بمناشف من عنده مبخرة ، ما رأيت أطيب منها ريحا ! ، ثم أتاني بقماش كأنه قد هيّء لي ، فلبّسني ، ثم قال : يا سعيد ! يا طويل العمر ! ، يا طويل الذيل ! ، فأنا كلما تذكّرت ما أنعم الله به علي علمت أنها كانت بشرى من الشيخ . وحدّثني الشيخ نجم الدين أبو عبد الله محمد بن عمر بن أبي الطيب ، عن أبيه الشيخ نجم الدين أبي حفص عمر قال : خرج مرة إلى محجّة قاضي القضاة محيي الدين أبي الفضل ابن الزكي ، ومعه نائبه قاضي القضاة صدر الدين بن سني الدولة ، ومعه ابنه القاضي نجم الدين ، وكان الفصل شتاء ، فلما أردنا العود ، وجّه ابن الزكي وجهه إلى : " بسر " لزيارة الشيخ علي الحريري ، فلما قاربنا " بسر " قال ابن الزكي : أشتهي أن يطعمنا الشيخ بسيسة حورانية ، فقال صدر الدين بن سني الدولة : وأنا أشتهي طبيخ كشك بدجاج ، فقال ابنه : وأنا أشتهي درّاقن لوزي . فقالوا : وأنت ؟ . فقلت : أنا رجل فقير مهما حضر قنعت . قال : فلما وصلنا ونزلنا بالزاوية ، سلّمنا على الشيخ ، فجلس إلينا جلسة ثم قام ، وغاب عنا إلى أن كاد وقت الظهر يفوت ، ثم أتى ومعه قصعة فيها بسيسة ، وقصعة فيها كشك دجاج ، وبيده شيء آخر ، فقال لخادمه : ضع البسيسة بين يدي قاضي القضاة محيي الدين ، وضع الكشك بين يدي القاضي صدر الدين ، ثم التفت إلى نجم الدين وقال : يا ثقيل ! ، يا متعنّت ! ، من أين يلتقي في بلاد حوران في زمان الشتاء درّاقن لوزي ؟ والله ما تأخّرنا إلا بسبب عنتك ، ثم وضع الذي كان بيده قدّامه ، فإذا هو سلّة صغيرة فيها درّاقن ، ثم طلع إليّ وقال : يا نجم